الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
226
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثانيا : إن الله هو وحده مصدر كل رحمة ، وهو الذي أوجب على نفسه الرحمة ، ويفيض بنعمه على الجميع : كتب على نفسه الرحمة . أيمكن لرب هذا شأنه أن يقطع سلسلة حياة البشر نهائيا بالموت فيوقف التكامل واستمرار الحياة ؟ أيتفق هذا مع مبدأ كون الله " فياضا " و " ذا رحمة واسعة " ؟ أيمكن أن يكون قاسيا على عباده بهذا الشكل ، وهو مالكهم ومدبر شؤونهم ، بحيث أنهم بعد مدة يفنون ويتبدلون إلى لا شئ ؟ طبعا لا ، إذ أن رحمته الواسعة توجب عليه أن يسير بالكائنات - وخاصة البشر - في طريق التكامل ، بمثل ما يجعل برحمته من البذرة الصغيرة الزهيدة شجرة ضخمة قوية ، أو يحيلها إلى شجيرة ورد جميلة ، كما أنه بفيض رحمته يبدل النطفة التافهة إلى انسان كامل ، هذه الرحمة نفسها توجب أن يرتدي الإنسان - الذي عند امكانية الخلود - لباس حياة جديدة بعد موته في عالم أوسع ، تدفعه يد الرحمة في سيره التكاملي الأبدي ، لذلك يقول بعد هاتين المقدمتين : ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه . إن الآية تبدأ بالاستفهام التقريري الذي يراد به انتزاع الإقرار من السامع ، ولما كان هذا الأمر مسلما به بالفطرة ، كما كان المشركون يعترفون بأن مالك عالم الوجود ليس الأصنام ، بل الله ، فإن الجواب يرد مباشرة ، وهذا أسلوب جميل في عرض مختلف المسائل . في مواضع أخرى من القرآن يستدل على المعاد بطرق أخرى ، بطريق قانون العدالة ، وقانون التكامل ، والحكمة الإلهية ، ولكن الاستدلال بالرحمة استدلال جديد جاءت به هذه الآية . في نهاية الآية إشارة إلى مصير المشركين المعاندين وعاقبتهم ، فهؤلاء الذين أضاعوا رأس مال وجودهم في سوق تجارة الحياة ، لا يؤمنون بهذه الحقائق : الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون .